فضل يوم عاشوراء
بقلم: محمد وسیم أصغر خان الأشرفي الجالوي عفي عنه۔ دارالعلوم الأشرفیة القطبیة کولکاتا
الحمد لله الذي هدانا إلى السنة الهجرية، ووفقنا لاتباع هدي خير البرية، محمدٍ صلى الله عليه وسلم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، الذين نصروا الشريعة الإسلامية، وجاهدوا في الله حق جهاده. وبعد:فإن شهر المحرَّم هو أول شهور السنة الهجرية، وهو أحد الأشهر الحُرُم التي عظّمها الله تعالى، وخصّها بمزيد من الفضل والمنزلة. وقد وردت في فضل هذا الشهر آياتٌ بيِّنات، وأحاديثُ صحيحة، وأقوالٌ للسلف الصالح والعلماء الربانيين، تدل على شرفه ومكانته بين الشهور.قال الله تعالى في محكم التنزيل:﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾[التوبة: ٣٦]
وهذه الأشهر الأربعة الحُرُم، كما بينها النبي ﷺ في الحديث الصحيح، هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرَّم، ورجب.فعن أبي بكرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال:إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حُرُم: ثلاث متواليات، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرَّم، ورجب مُضَر الذي بين جمادى وشعبان.[رواه البخاري ومسلم]
وإن الله تعالى قد فضّل شهر المحرّم و عظّمه على سائر الشهور، وجعله شهرًا مباركًا عظيمًا كريمًا، لا سيما يوم عاشوراء، فإنه من أفضل الأيام وخيرها، وهو يوم التوبة والرجوع إلى الله ورسوله، ويوم التوسعة على الأهل والعيال.وقد ورد في بعض الروايات أن الله تعالى خلق السماوات والأرض، واللوح، والقلم، والجبال، والبحار في العاشر من المحرّم، وخلق فيه آدم وحواء، وأدخلهما الجنة، وتاب على آدم عليه السلام يوم عاشوراء.وفيه وُلِد إبراهيم عليه السلام، ونجّاه الله من النار، وفدى ابنه من الذبح، وأغرق فرعون وجنوده، وكشف الله البلاء عن أيوب عليه السلام، وغفر ذنب داود عليه السلام، وولد فيه عيسى عليه السلام.ويُروى كذلك أن يوم القيامة يكون في يوم عاشوراء، كما جاء في الأحاديث النبوية الشريفة، والكتب الفقهية، والتواريخ المعتبرة مثل غنية الطالبين، ونزهة المجالس، ومعارف القرآن، وغيرها من المصادرالمہمة.
يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرّم.وفي هذا اليوم استقرت سفينة نوحٍ عليه السلام على جبل الجودي، فصامه نوحٌ عليه السلام شكرًا لله تعالى.وفيه أنجى الله نبيه موسى عليه السلام ومن آمن معه من ظلم فرعون وجبروته، وأغرق فرعون وجنوده في البحر.فصام موسى عليه السلام ذلك اليوم شكرًا لله الكريم على نعمة النجاة، لما أن أنجاه الله من أذى فرعون بإغراقه في البحر.وقد جاء في قصة يوم عاشوراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة المنوّرة، ورأى أن اليهود يصومون ذلك اليوم فرحًا بنجاة نبي الله موسى عليه السلام،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أنا أحقّ بموسى منكم، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بصيامه.وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة، فلما فُرض صيام رمضان، تُرك فرضُ صيام عاشوراء، وأصبح صيامه سُنّةً مندوبةً، فمن شاء صامه، ومن شاء لم يصمه.
عن عليٍّ رضي الله عنه قال:سأله رجل فقال: أيُّ شهرٍ تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان؟قال له: ما سمعتُ أحدًا يسأل عن هذا إلا رجلًا، سمعته يسأل رسولَ الله ﷺ، وأنا قاعدٌ عنده، فقال: يا رسول الله، أيُّ شهرٍ تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان؟قال:"إن كنتَ صائمًا بعد شهر رمضان، فصُم المحرَّم، فإنه شهرُ الله، فيه يومٌ تابَ اللهُ فيه على قومٍ، ويتوبُ فيه على قومٍ آخرين".أخرجه الترمذي، وعبد الله بن الإمام أحمد في "المسند".
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:"أفضلُ الصيام بعد شهر رمضان، شهرُ الله الذي تدعونه المحرَّم، وأفضلُ الصلاة بعد الفريضة، قيامُ الليل".رواه الترمذي، وأخرجه النسائي في "الكبرى".
عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:"صيامُ يومِ عاشوراء، أحتسبُ على الله أن يُكفّر السنةَ التي قبله".أخرجه مسلم، والترمذي.
عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال:سمعت رسول الله ﷺ يقول:"إن هذا يومُ عاشوراء، ولم يُكتب عليكم صيامُه، وأنا صائمٌ، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر".رواه البخاري ومسلم.
هذا، وقد أخبرنا رسولُ الله ﷺ عندما سُئِل عن يوم عاشوراء، أنَّه يُكفِّر ذنوبَ السنة التي قبله، ونستدل على ذلك بالحديث الذي رواه مسلم، عن رسول الله ﷺ قال:"صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله".قال الإمام النووي رحمه الله:"يكفِّر صيامُ يوم عرفة كلَّ الذنوب الصغائر، وتقديره: يُغفر ذنوبه كلّها إلا الكبائر".ثم قال رحمه الله:"صيامُ يوم عرفة كفّارةُ سنتين، ويوم عاشوراء كفّارة سنة، وإذا وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه. وكل واحد من هذه المذكورات صالحٌ للتكفير، فإن وُجِد ما يُكفِّره من الصغائر، كفَّره، وإن لم يُصادف صغيرةً ولا كبيرةً، كُتِبت له به حسناتٌ، ورُفِعت له به درجات، وإن صادف كبيرةً أو كبائر، ولم يُصادف صغائر، رَجَوْنا أن يُخفَّف من الكبائر".المجموع شرح المهذب، الجزء السادس.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"ما رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يتحرّى صيامَ يومٍ يَفضّله على غيره إلا هذا اليوم، يومَ عاشوراء، وهذا الشهر، يعني شهر رمضان".رواه البخاري.
وقد ثبت أن اليوم العاشر من محرَّم عند الله تعالى يومٌ مباركٌ وعظيمٌ، ولهذا يُرجى أن يكون من حكمة الله تعالى أن اختار هذا اليوم ليكون ميقاتًا لشهادة سبط نبيّه الأعظم ﷺ، الحسين بن عليّ رضي الله عنه، الذي قدّم نفسه فداءً للحقّ، وثباتًا على دين الله عزّ وجل.
© Qutbiya Educational & Welfare Trust. All Rights Reserved.